سمر إبراهيم تكتب: في حب أبى ..أنت نعم السند والرفيق

سمر إبراهيم

سمر إبراهيم

دقت عقارب الساعة في يدى، لتعلن عن ميعاد سفر أبي إلي مقر عمله الجديد، في محافظة أخري، وهى “شرم الشيخ” والتي تبعد عن قاهرة المعز بحوال 510 كيلو متر، وتلقيت اتصال هاتفي منه ليخبرني بمغادرته لمنزلنا، حيث إنني كنت في مأمورية عمل بمحافظة “الغردقة”، وإذ فجأة تحولت المحادثة الهاتفية بيني وبينه إلي “محادثة غرامية” بطلها “الفراق”، وكأننا حبيب وحبيبته يودع كلًا منهما الأخر، وليس أب وابنته، نعم فهو حبيبي، وأول وأخر رجل أحببته في حياتي كلها، فمنذ نعومة أظافري وأبى ينعم بمكانه خاصة في قلبي، وأنعم أنا أيضًا بمكانه فريدة في حياته وقلبه واهتماماته، وأثناء حديثي معه اندهشت بالدموع تجري علي “وجهى”، لم استطيع إخفاء صوتي الباكي، أو نبرته الحزينة، فوجدته يحاول إرضائي بأي شكل حتى اكف عن البكاء الذي أحزنه، وقال لي “انتى الرجل بتاعى بعد ما اسافر مينفعش اشوفك ضعيفة كده”.

بالفعل والدى المثقف، الثري بأفكاره، منذ ولادتي وهو يقول لي ويردد دائمًا “إنني بنت بـ 100 رجل”، كما يردد البعض، ولكن في الوقت نفسه، غرس بداخلي بذور حب وحنان وعطاء له ولكل من حولي، لا يمكن وصفه، حيث جعلني قويه به، وضعيفة أمامه، يساندني دائمًا أمام العالم كله حتى في خطأي ولكن لا يقبل تلك الأخطاء علي الإطلاق.

أذكر إنني عندما توجهت إليه وأنا في سن الـ “17” عامًا، لأخبره برغبتي العارمة لأعمل بمجال الصحافة، رفضه الواضح والصريح تلك الرغبة، بمنطق الأب الحاسم، خوفًا علي من مهنة البحث عن المتاعب، ومشقة الحياة، إلا إنه وافق بعد إصرار منى، بمنطق الحبيب الذى لا يستطيع أن يرفض أي طلب لحبيبته وطفلته المدللة، ولكن ظل يراقب نجاحي، وأفعالي، ويساندني في رحلة صعودي، فكان نعم السند والصديق والأب والرفيق، حتى وصلت إلي ما أنا عليه الأن.

في موقف أخر تذكرته يوم سفره، ففي عيد ميلادي الخامس عشر، أذكر أنه اشتري لي كتابًا عن “صناعة السنيما” لأحد النقاد السينمائيين الكبار، لأنه كان يعرف مدى حبى للسنيما وسحرها بعوامل الوارثة، المكتسبة منه، وعندما صمدت لشهور وسنوات في مهنة الصحافة التي كان يرفضها، وأثبت له إنه كان علي يقين عندما منحنى الفرصة للخروج من المنزل، بحثًا عن مستقبل غامض، كان لي خير معين، وكان يقول لجميع رفاقه “ابنتي صحفية”، في مجتمع يخجل أحيانًا الرجل من ذكر انه أنجب “فتاة” كأنها وصمة عار !!

مرت الأيام والشهور والسنين، وعلاقتي بوالدي تتأرجح بين الاتفاق والاختلاف في الآراء، كانت ذروتها أثناء ثورة يناير وما بعدها، ودارت الأيام بيننا وما زلت أحلم بالزواج برجل يشبهه في ملامحه وتفاصيله وشخصيته وحبه لي ولأمي، ولكنى مع الأسف أشعر أنه لا يوجد رجل يشبهه على الإطلاق.

وأخيرًا .. وليس أخر ما بيننا أحتاجك يا أبي، وأحتاج لدعمك لي في عملي وحياتي كلها، فأنت سندى وضهري في تلك الحياة المؤلمة، وبالرغم من بلوغي سن الرابعة والعشرين، إلا إنني أشعر إنني طفلة في العاشرة من عمرها، تحتاج إلي حب ونصائح أبيها، وما زلت أنتظر ميعاد عودتك من السفر، حتى تعيد لي بهجتي وفرحتي الحقيقة التي أفتقدها، وانعم بحضنك الدافئ.

سمر إبراهيم *

صحفية مصرية تعمل حالياً في جريدة البوابة

Advertisements
This entry was posted in نساء, نصائح, إعلام, تحديات, تدريب, شبكة نساء من أجل الإعلام, صحفيات and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s